القرطبي
271
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والشراء في المسجد . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد . قلت : أما تناشد الاشعار فاختلف في ذلك ، فمن مانع مطلقا ، ومن مجيز مطلقا ، والأولى التفصيل ، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضى الثناء على الله عز وجل أو على رسوله صلى الله عليه وسلم أو الذب عنهما كما كان شعر حسان ، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها ، فهو حسن في المساجد وغيرها ، كقول القائل : طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا * وذريني لست أبغي غير ربى أحدا فهو أنسى وجليسي ودعى الناس * فما إن تجدي من دونه ملتحدا ( 1 ) وما لم يكن كذلك لم يجز ، لان الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر ، والمساجد منزهة عن ذلك ، لقوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع " . وقد يجوز إنشاده في المسجد ، كقول القائل : كفحل العداب ( 2 ) القرد يضربه الندى * تعلى الندى في متنه وتحدرا وقول الاخر : إذا سقط السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا فهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز ، لأنه خال عن الفواحش والكذب . وسيأتي ذكر الاشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في " الشعراء " إن شاء الله تعالى . وقد روي الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ذكر الشعراء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ) . وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . ذكره في السنن . قلت : وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به غيره ، وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك . والله أعلم .
--> ( 1 ) من مجزوه الرمل وإنشاده : طوفي يا نفس كي * أقصد فردا صمدا . ( 2 ) العداب ( بالفتح والدال المهملة ) : ما استرق من الرمل . وقيل : جانبه الذي يرق ويلي الجدد من الأرض . الواحد والجمع سواه ؟ .